الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
نفحات القرآن
الإيجابية والبنّاءة في حياة البشر بما فيها الحضارة والتقدّم والكمال والعلوم والفنون والصناعات المختلفة ، كلها نابعة من بركة الحياة الاجتماعية والعمل المشترك والتعاون فيما بين البشر في المجالات المتعددة . فما لَمْ تنَضَّم الطاقات الفكرية والبدنية البسيطة بعضها إلى البعض الآخر ، فلا مجال لوجود الحركات والانبعاثات العظيمة في المجتمع بأي حال من الأحوال ، وببساطة : لو انفصل الإنسان عن المجتمع فسيكون كالحيوان ، فمن جهة نجد الرّغبات والآمال الداخلية والحياة الاجتماعية التي تهبه كل تلك القدرة والإمكان للتقدم والتطوّر نحو الأفضل ، ومن جهة أخرى بما أنّ الحياة الإنسانية في داخل المجتمع على الرغم من أنّ كل تلك الآلاء والنَّعم لا تخلو من النزاع والمنافسة ليس بسبب غلبه الأنانية وحب الذّات فقط ، بل لاشتباه الكثير من أفراد المجتمع في تشخيص الحدود والحقوق فيما بينهم ، لذا فإنّ دور القوانين هنا يكون ضرورياً لتحديد حقوق الأفراد وسَدّ الطريق أمام التعدّيات والتجاوزات اللامشروعة . كذلك فإنّ هذه القوانين لا يمكن أن تؤثر لوحدها في ردع الاعتداءات والنزاعات إلّاإذا انبرى إلى تنفيذها أفرادٌ يُعتمد عليهم في المجتمع ، وبعبارة أخرى ، فالحكومة وحدها تستطيع أن تعزّز القوانين وتنفذها في المجتمع وتحول دون انتشار الفساد وسفك الدماء والاعتداء على حقوق الآخرين - ولو بصورة نسبية . ولذلك نرى الأقوام البشرية ومنذ القِدمَ سعتْ إلى إيجاد حكومة لها . ثانياً : لو افترضنا أنّه يمكن للناس العيش بسلام بدون حكومة ( وهو مُحال بالطبّع ) ، فلا يمكن على أية حال الوصول إلى التقدّم والكمال في العلوم والمعارف والصناعات ومختلف الشؤون الاجتماعية دون وجود برنامج دقيق ومديرية عالمة ، وهذه هي أشكال أخرى للحكومة . ومن هذا المنطلق فإنّ جميع العُقلاء في العالم يؤكدون على ضرورة تشكيل الحكومة للمجتمعات البشرية إلّاما يُرى نادراً في كلمات بعض المؤيدين للشيوعية من أنّه لو قُضيَ